محمد جمال الدين القاسمي

370

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

هذا المعنى عن المشركين في سورة الأنعام والنحل والزخرف كما قال تعالى : وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [ الزخرف : 20 ] ، فتبين أنه لا علم لهم بذلك ، إن هم إلا يخرصون ، وقال في سورة الأنعام : قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ [ الأنعام : 149 ] ، إرسال الرسل وإنزال الكتب كما قال تعالى : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] ، ثم أثبت القدر بقوله : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ فأثبت الحجة الشرعية وبين المشيئة القدرية . وكلاهما حق وقال في النحل : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [ النحل : 35 ] فبيّن سبحانه وتعالى - أن هذا الكلام تكذيب للرسل فيما جاءوهم به . ليس حجة لهم . فلو كان حجة لاحتج به على تكذيب كل صدق وفعل كل ظلم . ففي فطرة بني آدم أنه ليس حجة صحيحة . بل من احتج به احتج لعدم العلم واتباع الظن . كفعل الذين كذبوا الرسل بهذه المدافعة . بل الحجة البالغة للّه بإرسال الرسل وإنزال الكتب . كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا أحد أحب إليه العذر في اللّه . من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين . ولا أحد أحب إليه المدح من اللّه . من أجل ذلك مدح نفسه . ولا أحد أغير من اللّه . من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن » « 1 » . فبين أنه سبحانه يحب المدح وأن يعذر ويبغض الفواحش ، فيحبّ أن يمدح بالعدل والإحسان . وألّا يوصف بالظلم . ومن المعلوم أنه من قدم إلى أتباعه بأن افعلوا كذا ولا تفعلوا . وبيّن لهم وأزاح علتهم ، ثم تعدّوا حدوده وأفسدوا أمورهم ، كان له أن يعذبهم وينتقم منهم . فإذا قالوا : أليس اللّه قدّر علينا هذا ؟ لو شاء اللّه ما فعلنا هذا . قيل لهم : أنتم لا حجة لكم ولا عندكم ما تعتذرون به ، يبيّن أن ما فعلتموه كان حسنا ، أو كنتم معذورين فيه . فهذا الكلام غير مقبول منكم . وقد قامت الحجة عليكم بما تقدم من البيان والإعذار . ولو أن وليّ أمر أعطى قوما مالا ليوصلوه إلى بلد ، فسافروا به وتركوه في البرية ليس عنده أحد وباتوا في مكان بعيد منه ، وكان وليّ الأمر قد أرسل جندا يغزون بعض الأعداء فاجتازوا تلك الطريق ، فرأوا

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التوحيد ، 20 - باب قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : لا شخص أغير من اللّه ، حديث رقم 2518 ، عن المغيرة . وأخرجه مسلم في : اللعان ، حديث رقم 17 .